HyperLink HyperLink EFUEgypt HyperLink HyperLink
ملفات الفيديو
الاتحاد النسائي العربي العام يعقد مؤتمره العام ال11 بمراكش

"النسويّة وفلسفة العلم": نحو فهم سوسيولوجيّ
تاريخ النشر: 20/01/2019
ياسين عتنا
17/01/2019
   
مدخل
 شهد الفكر الإنسانيّ ديناميّة فكريّة في مرحلة ما بعد الحداثة، سواء بطرحها الفرنسيّ أو الألمانيّ. هذا القطب الفكريّ الّذي أعاد النظر في مسلّمات الفكر الحداثيّ بأعين نقديّة، أسهم في توسيع المساحة الفكريّة للفكر النسويّ؛ إذ يُعَدّ جزءًا مهمًّا فيه؛ وعلى ضوء هذه المتغيّرات الجوهرانيّة؛ نكشف من خلال كتاب الفيلسوفة المصريّة يُمنى طريف الخولي، "النسويّة وفلسفة العلم"، عن أهمّ مرتكزات هذا الفكر، والبيئة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة الّتي نشأ فيها.
 
 
تتمثّل القيمة المعرفيّة والإبستيمولوجيّة لهذا العمل في ثلاثة اعتبارات أساسيّة: أوّلًا - أنّه عمل يندرج ضمن الفكر النسويّ المعاصر من جهة، وفي إطار فلسفة العلم النقديّة من جهة ثانية. ثانيًا - تخصّص الباحثة هو الفلسفة، بدرجة الدكتوراه، بدراسة عنوانها "مبدأ اللاحتميّة في العلم المعاصر، ومشكلة الحرّيّة" (1985)، وأستاذة جامعيّة ورئيسة قسم الفلسفة سابقًا، في "كلّيّة الآداب - جامعة القاهرة". ثالثًا: نشر الباحثة جملة من الأعمال تأليفًا وترجمة، الّتي لها سموّ الكعب في الساحة الفكريّة الفلسفيّة العربيّة. من مؤلّفاتها: "مشكلة العلوم الإنسانيّة"، و"فلسفة العلم في القرن العشرين"، و"الزمان في الفلسفة والعلم"، و"الطبيعيّات في علم الكلام"، و"بحوث في تاريخ العلوم عند العرب".
أمّا منهجيًّا، فسنحاول تقديم المضامين المعرفيّة، الّتي ضمّنتها الباحثة في عملها البحثيّ، والوقوف عند ذات الباحثة في العمل، كعتبة أوّليّة، قبل مناقشتها في ضوء السيرورة الفكريّة والمنهجيّة، مع التركيز على نقاط التقاطع والاختلاف.
 
عتبة المضامين المعرفيّة
أوضحت الباحثة في بداية عملها البحثيّ، أنّ النسويّة في منطلقاتها الأولى، كانت حركة سياسيّة ذات مطالب اجتماعيّة؛ إذ سلّطت كلّ اهتماماتها على قضيّة المرأة، والانتكاسات الحقوقيّة الّتي تعرفها في الحضارة الإنسانيّة. وفي مرحلة السبعينات في القرن الماضي، بزغت الفلسفة النسويّة بصفتها براديغم، أو نموذجًا إرشاديًّا جديدًا تحليليًّا نقديًّا، يندرج ضمن إطار ما بعد الحداثيّ وما بعد الاستعماريّ، وذا ارتباط متين بين الواقع والفكرة، والنظريّة والتطبيق، تفكّك الخطاب العلميّ، مستحضرة في هذا السياق نتائج علم الكرانيولوجي، الّذي ربط بين حجم الجماجم بدرجة الذكاء؛ وخلص إلى أنّ دماغ المرأة أصغر من دماغ الرجل؛ لذا فإنّ معدّل الذكاء لديها أقلّ، وبه لا تستطيع التفكير بشكل مجرّد.
أمّا ما يخصّ التاريخ الفلسفيّ، فتؤكّد الباحثة أنّ المرأة كانت جدّ مضطهدة من طرف أغلب الفلاسفة، باستثناء أفلاطون في كتابه "الجمهوريّة"؛ فقد أعطاها مساحة حقوقيّة في الطبقة الحارسة، وفي نفس اللحظة، تستحضر الباحثة الانتقادات الموجّهة إلى هذا الطرح الأفلاطونيّ؛ بناء على نقد سوزان موللر أوكين؛ إذ تؤكّد - هذه الأخيرة - أنّ أفلاطون، بفعل إلغائه الأسرة؛ صار يفكّر في موضوع المرأة؛ وعلى ذاك لا يمكن اعتباره عتبة إبستيميّة في الفكر النسويّ. على نفس المسار النقديّ لأفلاطون، يرى فؤاد زكريّا أنّ الحبّ الحقيقيّ في المجتمع اليونانيّ، يكمن في حبّ الذكر لجنسه؛ هذا ما جعله كارهًا المرأة، وليس تتويجًا أو اعترافًا بها.
أوضحت الباحثة الفرق المعرفيّ بين كلٍّ من النسويّة الليبراليّة والاشتراكيّة؛ فالنسويّة الليبراليّة استقت جذورها من جون ستيوارت ميل، الّذي أبان أنّ علاقة التبعيّة بين الرجل والمرأة ذات مبدأ مغلوط، وأنّ روح الليبراليّة قيام هذه العلاقة على أساس المساواة، ومن أهمّ رائدات هذا التيّار بهاريت تيلور ميل. أمّا النسويّة الماركسيّة فترى أنّ تحرّر المرأة رهين بتحرّر المجتمع والانتقال إلى الاشتراكيّة، حيث تكون المرأة على قدم المساواة بالرجل، ومن أهمّ أقطاب هذا التيّار الفكريّ روزا لكسمبورج. ويمكن أن نقسم الفكر النسويّ إلى موجتين نسويّتين أساسيّتين:
1. الموجة الأولى: بدأت هذه المرحلة بداية القرن العشرين؛ إذ انعقد فيها مجمل المؤتمرات والمؤسّسات الدوليّة، الّتي تأسّست أطرًا مدعّمة للفكر النسويّ وصقل مفهوم "النسويّة"، لكن هذه المرحلة - حسب الباحثة - لم يكن لها إطار فكريّ أكاديميّ، بل مجموعة مطالب انصبّت في معظمها حول حقوق النساء والمطالبة بالمساواة.
2. الموجة الثانية: تشكّلت هذه الموجة إثر الأصوات المناهضة للحداثة، وتصوّراتها الّتي تقوم على مركزيّة الرجل الأبيض، الصانع للحضارة والمبرّر للاستعمار؛ الأمر الّذي تولّد عنه تموضع الفكر النسويّ ضمن فلسفة ما بعد الحداثة، وما بعد الاستعماريّة.
 
 
ظهر في القرن العشرين تيّار نسويّ، اصطلح عليه "النسويّة الراديكاليّة"، وهو تيّار جذريّ، لا يرجع قضيّة المرأة إلى الاستبداد والملكيّة الخاصّة والاستغلال فقط، إنّما يهتمّ أساسًا بأنثويّة المرأة. وينقسم هذا التيّار إلى توجّهين فكريّين: الأوّل: النسويّة الراديكاليّة المتطرّفة، الّتي ترتكز على إقصاء الرجل من الحياة الاجتماعيّة، وتعويض مركزيّة الرجل بمركزيّة أنثويّة؛ أي إنشاء مجتمع صفريّ - بمعنى صِفر رجال - خاصّ بالنساء فقط، أمّا الصنف الثاني فهو الراديكاليّة الثقافيّة/ أو الحضاريّة، وهو التوجّه الّذي انشبك مع العلم في إطار أكاديميّ رصين، تجسّد في البحث عن الهويّة النسويّة/ أو الأنثويّة، معتمدًا على علم الأعراق والأنثروبولوجيا، باعتماد الهيرومنطيقا المحدثة والجينالوجيا، والأشكال الأدبيّة. 
جسّد مؤلَّف الفيلسوفة الوجوديّة سيمون دي بوفوار الموسوم بـ "الجنس الآخر"، الإطار المعرفيّ الأوّل للنقاش الفلسفيّ النسويّ الأكاديميّ، حول قضيّة المرأة؛ وعلى إثر تأسُّس مفهوم "النوع"/ أو "الجنوسة Gender"، كآليّة تحليليّة لمجموع الأعمال الفكريّة التاريخيّة، وللبنى الثقافيّة والاجتماعيّة للشعوب. ومع الاستفادة بشكل كبير من أعمال الفلاسفة ما بعد الحداثة/ أو ما بعد البنيويّة، منهم جاك لاكان، وميشيل فوكو، وفريدريك نيتشه، وإثر بداية الثلث الأخير من القرن العشرين؛ بدأت النسويّة تبحث في صورة جديدة متطوّرة للعلم والممارسة العلميّة، مع فلسفة العلم النسويّة، مبتدئة بالسياسة والأخلاق والجمال، ومع بزوغ الثمانينات تخصّصت في الميثودولوجيا والإبستيمولوجيا.

كلّ ما جاء أعلاه، سمح للنسويّة بدخول النسق العلميّ، وإنتاج المعرفة العلميّة الحقّة، والكشف عن جنوسة العلم، وأنّه ليس خارج الآليّات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والنفسيّة، مصرّحة بأنّ براديغم النسويّة يعمل بتكامل متساوٍ بالقيم الذكوريّة، بدون أن يلغيها، من خلال: 
* تبيان أنّ النساء قادرات على ممارسة العلم، وإنتاج المعرفة العلميّة.
* إزالة العقبات الّتي تعوق النساء من الإسهام في العلم.
* تصحيح المعلومات الخاطئة عن بيولوجيا المرأة.
* نقد قيم العلم وأهدافه ومعاييره، وكذا محاكاته ومناهجه وممارسته.
بالإضافة إلى هذا، تقرّ أنّ الفلسفة التنويريّة جريمة - حسب المؤلّفة - لكونها اعتبرت الرجل الأبيض العقلانيّ المثل الأعلى، والمحرّك المعياريّ التاريخيّ نحو التقدّم؛ وعلى ذاك أسهمت في استنزاف البيئة ودمارها، وإخفاق مشاريع التنمية في بلدان العالم الثالث، وكذا شرعنة العنصريّة، والطبقيّة، وقهر الشعوب/ أو الثقافات الأخرى (تبرير الاستعمار).
تبيّن الباحثة أنّ التطوّر النقديّ للعلم، كان مهمًّا في تطوّر الفكر النسويّ، خاصّة في شخص كلٍّ من جون ستيوارت ميل، وهيلمان، وكارل بوبر، وتوماس كون، لكنّ هذا الأخير بشكل كبير؛ إذ خلص إلى أنّ العلم ليس نسقًا واحدًا ووحيدًا، وإنّما ظاهرة اجتماعيّة عبر التاريخ الإنسانيّ، تتداخل فيه جملة من العوامل - الحضاريّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة… - أمّا التشبّث بالمنطق العلميّ الأوّل، فما هو إلّا ذريعة استعماريّة لأسطورة الغرب المتفوّق؛ لذا كان تأكيد توظيف التعدّديّة المنهجيّة واللامقياسيّة والنسبويّة، ولا سيّما مع ظهور سوسيولوجيا العلم/ المعرفة، الّتي تعتبر أنّ العلم الحداثيّ أحد نتائج المجتمع البطريركيّ، هذا المجتمع كان أساس الفلسفة الحديثة بروح فرانسيس بيكون؛ إذ اعتبر أنّ العلم يقوم على منطق القوّة والسيطرة. إنّ هذا التصوّر، حسب المؤلّفة والفكر النسويّ كذلك، تجسيد عينيّ للعلم الذكوريّ المتبجّح بالقوّة، الّذي اضطهد بها المرأة، واستنزف الطبيعة، واستعمر الشعوب.
 
 
تهتمّ الإبستمولوجيا النسويّة بشروط المعرفة، من حيث البحث في مصادرها ومعاييرها ومناهجها، وكذا موقف العارف/ أو الباحث من المعرفة العلميّة المنتجة، إضافة إلى تأثير دور الجنوسة في عمليّة المعرفة؛ بمعنى البحث في مسألة الموضوعيّة والذاتيّة؛ أي موقع العارف من المعرفة. أمّا ما يخصّ الميثودولوجيا النسويّة، فقد عملت على إعادة النظر في المنهج العلميّ الواحد، وظهور تعدّد المنهجيّة العلميّة، نظريًّا وممارسة؛ هذا ما اصطلح عليه بـ "السياقيّة Contextualism". وإلى جانب هذا، ثمّة معطى منهجيّ وُسم بـ "المنظوريّة Perspectivism"، الّذي يرى أنّ المعرفة وليدة سياق معيّن ومنظور معيّن. تضيف النسويّة على هاتين المنهجيّتين قيمة التزامل (العمل المشترك Collaboration)، لتكون إستراتيجيّة للأبحاث الكبرى، مع التعهّد والرعاية والمقاربة الطويلة المدى.

اشتدّ عود الفلسفة النسويّة، وسمت صورتها النقديّة الأكاديميّة للعلم؛ فأفرزت لنا حقلين فلسفيّين، أوّلًا: الفلسفة البيئيّة/ أو النسويّة البيئيّة، الّتي تؤكّد أنّ العلم، والرأسماليّة ذات المنطق الذكوريّ، التقيا في رهان السيطرة على الطبيعة. ثانيًا: الفلسفة النسويّة ضدّ الاستعمار، الّتي تقاوم مركزيّة النموذج الذكوريّ للإنسان التنويريّ الحداثيّ العاقل الأبيض (Eurocentrism)؛ هذا هو المحرّك الأساسيّ لأيديولوجيّة الاستعمار. هكذا ارتبطت الفلسفة النسويّة بالفكر ما بعد الحداثيّ، وما بعد الاستعماريّ.
 
عتبة المراجعة والنقد

الملاحظات المعرفيّة والإبستيميّة الّتي يمكن تقديمها في هذه العتبة، ذات العلاقة الجدليّة بما جاء أعلاه، تنقسم إلى محطّتين:
1. المحطّة المنهجيّة/ أو الميثودولوجيّة: ترتكز هذه المحطّة على الانزلاق المنهجيّ، الّذي سقطت فيه الباحثة في معالجتها للنسويّة الراديكاليّة المتطرّفة، لكون هذه النسويّة تؤكّد المجتمع الصفريّ؛ أي بلا رجال، وتؤمن بالمثليّة الجنسيّة الأنثويّة؛ فقد علّقت الباحثة، في نهاية الفقرة، بالقول: "ولله في خلقه شؤون"، بالإضافة إلى هذا، تطلق على المثليّة الجنسيّة الأنثويّة مصطلح "السحاقيّة"، بينما الأوّل هو المفهوم المتعارف عليه في الساحة العلميّة، وتقول في نفس الصفحة: "أمثال هذه الدعوة المنفلتة".
إنّ هذه التعابير أعلاه، جعلت من الباحثة تتّخذ موقف الحسّ المشترك، المعياريّ والأخلاقيّ الواعظ، ولم تحقّق البُعد الإبستيميّ والميثودولوجيّ في الكتابة والمعاينة الفكريّة المطلوبة؛ هذا يجعلنا نقرّ بوجوب التفرقة بين المعرفة العامّيّة والمعرفة العلميّة، الّتي تقوم على التجاهل المنهجيّ الّذي أقرّ به إميل دوركايم؛ إذ يتجاهل الباحث الأفكار المألوفة في البيئة الاجتماعيّة الّتي ينتمي إليها، كمبدأ لا مفرّ منه.
2. المحطّة المعرفيّة/ أو الإبستيميّة: إنّ النموذج الإرشاديّ للنسويّة، الّذي قدّمته الباحثة في عملها؛ نموذج تشوبه مجموعة من النواقص والعيوب المعرفيّة؛ إذ أجهدت الباحثة نفسها في عرض روّاد الفكر والفلسفة النسويّين، من دون الالتفات إلى النسويّة العربيّة والإفريقيّة والآسيويّة في هذا المقصد، وهي تيّارات نسويّة في ذاتها، متعدّدة المشارب الفكريّة، وذات أطاريح فكريّة أكاديميّة لا تقلّ معرفة عن الّتي أسفرت بذكرها. يمكن الإشارة في هذا المقام إلى الإسهام الغزير الّذي قدّمته نوال السعداوي، والمشروع الفكريّ الّذي أنتجته، بصفتها نسويّة عربيّة، والتحليلات الفكريّة السوسيولوجيّة الّتي راكمتها فاطمة المرنيسي، بصفتها نسويّة إفريقيّة، والتحليلات النقديّة الّتي قدّمتها تاراباي شيند للنظام البطريركيّ بالهند، وهذا على سبيل المثال لا الحصر؛ الأمر الّذي جعل المؤلّفة تسقط في منطق المركزيّة الغربيّة في علمها، والتمجيد لها.

هذا من جهة الملاحظات الأوّليّة الارتداديّة مع المضمون، أمّا في ما يخصّ المساءلة المفاهيميّة والفكريّة للمتن، فقد ارتبط مفهوم الحركة النسويّة بثلاثة مدلولات:
* المدلول الأوّل: دعوة إلى تحرير المرأة، وهي نتيجة تطوّر تاريخيّ للوعي بالمساواة بين الرجل والمرأة.
* المدلول الثاني: الفلسفة الرافضة لربط الخبرة الإنسانيّة بخبرة الرجل، وإعطاء تصوّرات للعالم من زاوية المرأة.
* المدلول الثالث: التفرقة بين النسائيّة كفاعليّات تقوم بها النساء، والنسويّة كبُعد فكريّ فلسفيّ نقديّ.
 
 
سقطت التيّارات النسويّة الغربيّة في منطق الشموليّة؛ كونها رشّحت نفسها للحديث عن نساء العالم، وتوظيف مفهوم المرأة كأنّه مفهوم منسجم يحتوي على معايير كونيّة. هكذا بدأت الحركة النسويّة تحاكي المنطق الحداثيّ في الفكر، دون أن تكون واعية بذلك، إلى حين بداية الانتقاد الجوّانيّ للفكر أو للحركة النسويّة، فإن كانت النسويّة ذات البشرة البيضاء، ترى في التحرّر من الهيمنة الذكوريّة أساس نضالها، فالنسويّة السوداء ترى تحرّر المرأة مرتهنًا بتحرّر من العنصريّة، والمرأة السودانيّة ترى في الانتقال الديمقراطيّ أساس قضيّتها؛ من أجل الخروج من الحرب والصراعات القبليّة؛ هذا ما جعلها تصقل مفهوم "جندر السلام" مع الدكتورة هويدا العتباني. إلى جانب كلّ هذه القضايا، تبقى قضيّة المساواة بالرجل القضيّة الأساسيّة للحركة النسويّة.
إضافة إلى هذا، فإنّ الفكر النسويّ ليس وليد إطار ما بعد حداثيّ بشكل قطعيّ، وإنّما منظومة فكريّة جمعت بين النهضة والتنوير والحداثة وما بعدها، على الشكل الآتي: العلمانيّة (تغليب العقل البشريّ على العقل الإلهيّ)، والعقلانيّة (العقل مصدر التشريعات والمعرفة)، والمادّيّة (الاعتراف بالمحسوس والعينيّ، وتجاوز الغيبيّ")، والفرديّة (تمجيد الفرد، واعتباره مركز الأشياء ومقياسها)، والنفعيّة واللذّة (يقوم على أنّ أيّ فعل يُعتبر خيرًا؛ بمقدار ما يحقّق لنا من اللذّة، وأنّ صواب فكرة أو خطأها يكمن في مدى تحقيقها المنفعة عمليًّا)، والعبثيّة والتشكيكيّة (غياب وجود مبادئ مطلقة، والأبديّة، وإنّما مبادئ نسبيّة، وكلّ عمل علميّ إشكال في حدّ ذاته)، والصراعيّة (الفكر يقوم على مبدأ الصراع والتناقض، وعدم الانسجام)، والجنسانيّة (المتعة الجنسيّة ليست غاية عليا، وإنّما مسألة شخصيّة). هذا لا يعني اختصار النسويّة في هذا المستوى فقط، بل ثمّة تيّارات نسويّة بمواقف مختلفة عن هذه المدارس الفكريّة.
 

خاتمة
إنّ الفكر النسويّ يُعَدّ مدخلًا أساسيًّا؛ لفهم جملة من القضايا المعرفيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، وتجاوز اللوغوس الحداثيّ، الّذي يقوم على التمركز الأوروبّيّ والرجل الأبيض نموذجًا لهذا التمركز؛ هكذا تلتقي النسويّة مع التفكير ما بعد الحداثيّ (اللوغوس الحداثيّ الكونيّ)، وما بعد الكلونياليّة (المركزيّة الأوروبّيّة).
ظهرت في العقود الأخيرة، ثلّة من الأعمال الفكريّة، وُسمت بالفكر ما بعد النسويّة؛ إذ وجدت نفسها مضادّة للفكر النسويّ ومبادئه، وطارحًا جملة من الأسئلة عليها، على سبيل المثال: أين الحقوق السياسيّة؟ وهو تيّار أخذ طابعًا فلسفيًّا تفكيكيًّا للنسويّة، يرى أنّ وضعيّة المرأة، والإقصاء، والاستغلال الّذي تعيشه، مسؤوليّة الدولة جهازًا سياسيًّا وكيانًا سلطويًّا.   

في هذا الصدد، نتساءل حول مفهوم ما بعد الحداثة، الّذي تقدّمه النسويّة إطارًا معرفيًّا تندرج فيه؛ هل تقصد به "ما بعد الحداثة" بالصيغة الفرنسيّة، باعتباره قطيعة معرفيّة مع الحداثة، كما جاء به ميشيل فوكو، أو "ما بعد الحداثة" استمرار لمشروع الحداثة، كما تطرح المدرسة النقديّة الألمانيّة؟
 
المصدر : موقع فسحة 
 
© Copyright 2015. All Rights Reserved.