HyperLink HyperLink EFUEgypt HyperLink HyperLink
ملفات الفيديو
تقرير قناة الغد العربي| انطلاق مؤتمر التمكين الاقتصادي للمرأة العربية بالقاهرة

فى المنيا فرقة مسرحية رائعة اسمها «Full Stop»
تاريخ النشر: 19/01/2018

عمار علي حسن

الخميس 18-01-2018 20:55

دعتنى الدكتورة هدى بدران رئيس اتحاد نساء مصر لحضور مسرحية على مسرح مبنى المحافظة بالمنيا، هى واحدة من عدة مسرحيات، أنتجها الاتحاد بالتعاون مع وزارة الشباب بغية مكافحة التميز على أساس النوع والدين، فحسبت أننى سأشاهد عملا مسرحيا باهتا، يلوى عنق الفن فى سبيل الفكرة والاتجاه السياسى، فيأتى وعظيا أو أيديولوجيا مباشرا، فيه حظ كبير للرطانة والخطابة والمقولات المعلبة والتصورات النمطية، بينما فيه حظ قليل للجمال وقيمة الفن وشروطه، لكن هناك انتظرتنى مفاجأة لم تخطر لى على بال.

وجدت فرقة مسرحية أبطالها شباب، أسسها واحد منهم هو الأستاذ محمود علاء الدين، بدا لى على صغر سنه فنانا واعدا، إذ كان النص من تأليفه، والمسرحية من إخراجه، وأبطالها من زملائه وأصدقائه، المتيمين بفن التمثيل، فامتزج النص الجديد بالإخراج المحكم والأداء المبهر، حتى إننى كنت فى عجب مما أسمع وأرى، ولدى سؤال عما دفع هؤلاء الشباب المخلصين للفن أن يقدموا على تلك المغامرة، لاسيما أن المسرحية التى حضرتها لم تكن الأولى لهم، وأنهم، بأقل إمكانيات استطاعوا أن يصنعوا جمهورا لهم ينتمى إلى مختلف الشرائح العمرية والطبقات الاجتماعية والخلفيات الثقافية.
الفرقة اسمها «Full Stop»، وهو اسم يعزوه مؤسسها إلى رغبة دفينة فى أن يقول للجميع: نقطة ومن أول السطر، فالآن صار لصعيد مصر المنسى فى عطاءات الاستثمار والثقافة فرقة مسرحية تطمح إلى أن تقدم عروضها فى مختلف مدن الصعيد، وتجذب إليها جمهورا عريضا بمرور الوقت، وتلفت الانتباه لها، فيصل صوتها إلى ربوع الدولة كافة، وهو ما يجب أن يكون فى قابل الأيام.
بدأت فكرة تكوين هذه الفرقة فى أكتوبر 2016، وجاءت انطلاقتها فى 8 ديسمبر من العام نفسه، بعرض مسرحية «الجثة»، ثم مسرحية «كنا سبعة» و«هاكونا ماتاتا» المستمدة من نص «الكلمات المتقاطعة» لنجيب سرور. وقد سمى أبطال الفرقة بأسماء بسيطة، وجدت بعض الحاضرين يعرفها من العروض السابقة، وهى: بومبو وفرحة ومارتينا ومنيرة وزينة وكوفى وشيكا وحميدو وكلارا وكريمة وصلاح وأحمد صلاح ونانسى.
ومؤسس الفرقة تخرج فى كلية الآداب قسم علوم المسرح شعبة إخراج وتمثيل عام 2017، وكان الأول على دفعته طيلة سنوات الدراسة الجامعية الأربع. وقد بدأ ممثلا فى مجموعة من العروض المسرحية مثل: «قرار» و«رقصة الموت» و«حياة كونفوتسة» و«دم السواقى» و«حاجة» و«ليلى» و«البلياتشو» و«استتابة» و«مدرسة الزوجات» و«الدرس» و«آخر المطاف» و«سكة السلامة»، بعدها اتجه إلى الإخراج المسرحى، ليخرج إلى جانب المسرحيات المذكورة سابقا مسرحيات أخرى مثل «كنا سبعة» و«العفريت الأزرق» و«ربع جرام».
رأيت فى المسرحية التى حضرت عرضها، وعنوانها «13 سببا»، استخداما عبقريا لآلية الاسترجاع أو «الفلاش باك» تؤدى ليس بالطريقة التقليدية التى اعتدناها فى مسرحيات شهيرة، حيث يقوم أحد الأبطال باستدعاء الماضى ارتجالا ومن خلال عبارات متلاحقة ترسم ملامح ما مضى، كى نفهم خلفيات ما يجرى فى العرض أمامنا من وقائع وأحداث ومشاهد. فالمخرج، وكاتب النص، أبدعا هذا الاسترجاع من خلال مشاهد قصيرة مرشوقة بعناية فى حنايا النص وثناياه ومجراه، لتمتزج فيه دون تكلف ولا افتعال، بعد تدريب جاد على تقنيات المسرح التعبيرى ومختلف أساليبه على مستوى الأداء التمثيلى، وتشكيل الصورة المسرحية عبر أجساد الممثلين وتعبيرات وجوههم وديكور المسرحية البسيط الذى صممته الفنانة منة مصطفى، وهو يرسم بعناية سياق المسرحية وأجوائها، ويسعف تطورها الدرامى، وكل ذلك يذوب فى فضاء فنى بديع.
وتسرد المسرحية حكاية بسيطة بطلها طبيب نفسى مهمته معالجة نسوة تعرضن للقهر والقمع والتهميش والعنف متعدد الأنماط والأنواع، لكنه لا يقوم بتلك المهمة بتجرد، منحازا لما تفرضه عليه مهنته من إخلاص وسعى جاد لإخراج المكتئبات والبائسات والمجروحات والمتألمات نفسيا مما يعانين منه، إنما يستغل موقعه ودوره لإشباع رغبته فى السيطرة عليهن، وتسخيرهن لخدمة رجولته وشهوانيته، لكنه يجد نفسه ذات ليلة أمام امرأة، تلح فى مقابلته وتصر عليها، وتأتى إلى عيادته بعد منتصف الليل، غير مستجيبة لطلبه فى أن تؤجل قدومها إلى يوم آخر، فلما تمثل أمامه، تبدأ فى سرد حكايتها الموجعة، أو تجربتها المؤلمة، ليس من خلال الحكى والبوح المباشر، الذى يقوم بها المرضى النفسيون وهم مستلقين على ظهورهن فوق «شازلونج» يأخذهن إلى استرخاء، ويدفعهن إلى الإفصاح عن لواعج نفوسهن المهيضة، إنما من خلال عرض أطوار حياتهن، والأحداث التى مررن بها، عبر فتيات متلاحقات فى أعمارهن، تمثل كل واحدة منهن مرحلة عمرية فى حياة البطلة المكلومة.
وتعرض هذه المضطربة نفسيا، أو المريضة، ثلاثة عشرة سببا أسقطتها فى فخ المرض أو فكه المفترس، منها أنها نشأت فى أسرة مفككة لأم بسيطة مغلوبة على أمرها وأب سكير مستهتر، لا تسمع بينهما غير الشجار الدائم، ومنها أنها تعرضت لاغتصاب على يد أبيها وهو مخمور ذهب عقله عنه، ومنها التفرقة بين البنين والبنات فى المدرسة، ومنها ما تلاقيه من لوم دائم على صداقتها لفتاة من غير دينها، ثم مسارعة الأب والأم إلى تزويجها من شاب لا يحسن معاملتها، بعد أن شعر أنه قد اشتراها بنقوده، بل يخونها مع فتاة أصغر منها، إلى جانب ضغوط الحياة الاجتماعية على نفسها وروحها وجسدها من كل جانب بلا هوادة، ودون أدنى رحمة.
لكن هذه الأحوال النفسية المعقدة، أو العقد الحياتية المتواصلة والمتداخلة لا تمنعها من أن تمتلك مهارة كشف ألاعيب هذا الطبيب، الماهر فى صيد ضحاياه من النساء، حين يفاجئنا النص بأن كل ما يقع أمام أعيننا، وتسمعه آذاننا من حوار، ليس سوى هلاوس سمعية وبصرية للطبيب نفسه، الذى يطلق العنان لخياله كى يرسم حياة مرضاه كما شاء، ليضعهن تحت تصرفه، مستغلا حالة الاستهواء التى يعيشها أى مريض مع طبيبه.

وهنا ينكشف قناع الطبيب، ويقف عاريا من حيله وألاعيبه وخدعه ومحاولاته المريضة بعد أن يقع فى هوى الفتاة، ويقسو عليها فيدفعها إلى الانتحار، ليبدو هو المريض النفسى الذى يحتاج إلى علاج، ويدرك مع هذا المشاهدون أزمة المجتمع الذكورى، الذى يتعامل كثيرون منه مع المرأة على أنها سقط متاع، أو كلأ مباح، ويفهمون أن مثل هؤلاء هم الذين عليهم السعى الدؤوب للتطهر النفسى.

كان النص الذى عبر عن هذه الحكاية عميقا، وتخلله حوار ثرى متكامل، يذهب إلى الفكرة من أقرب طريق دون أن يجور على الفن الذى تتجلى رسالته الأصيلة فى ذاته، وليس فى الرؤى والتصورات والمقولات والقيم الاجتماعية التى يعبر عنها. وكان أداء الممثلين طيعا سلسا معبرا، فحقق المتعة والفائدة فى آن.

وقد طلبت منى الدكتور هدى بدران والدكتور أحمد عبدالوكيل وكيل وزارة الشباب بالمنيا، الذى حضر العرض، وكذلك أعضاء الفرقة، أن أتناولها بالنقد بعد العرض، فذكرت أمامهم ما ذكرته آنفا، وزدت عليه بطلب أن تستنبت العروض التى تقوم بها الفرق المسرحية فى إطار هذه الخطة الطموحة والهادفة من الواقع المعيش، فتأتى موضوعاتها وشخصياتها ونصها، منتمية إليه، وألا يتم فيها التنازل عن جمال الفن وشروطه لحساب أى غرض آخر، لأن رسالة الفن الأصيلة والأبقى هى الفن ذاته، لاسيما مع فرقة متميزة وواعدة مثل «Full Stop».

المصدر : المصري اليوم 

 
© Copyright 2015. All Rights Reserved.