HyperLink HyperLink EFUEgypt HyperLink HyperLink
ملفات الفيديو
تقرير قناة الغد العربي| انطلاق مؤتمر التمكين الاقتصادي للمرأة العربية بالقاهرة

نساء مصر.. ستة عشر عاماً من التحرُّش
تاريخ النشر: 16/09/2016
نساء مصر.. ستة عشر عاماً من التحرُّش


سماح عبد الرحمن

ربّما لا يتذكر المصريّون اليوم مواطنة اسمها نوال علي. نوال، التي تظهر في الصّورة المرفقة وهي غاضبة وترفع إصبعها نحو المجرمين "غير المجهولين"؛ تختصر الحكايةَ في شهادةٍ لها وتقول: "عبثوا بكل مناطق جسدي حتى فقدت الوعي.. لم يكونوا يحاولون ضربي.. كانوا يعتدون عليَّ جنسيًّا؛ ويعبثون بكلّ مناطقي الحسّاسة".

غادرت نوال هذا العالم في ٢٠٠٩م بعد صراعٍ مع السّرطان، ولكن مرارتها كانت أقسى مع التشويه المعنويّ الذي لاحقها من الإعلام والمجتمع والذي "كرّمها" بالمقولة الخالدة: "وهي ايه اللّي ودّاها هناك؟"، ليُغلقَ ملفّها بالعبارة المعهودة: "قُيّد ضدّ مجهول". هل هناك أشدّ تنكيلا وعذابا ضد "واحدة ست" من ذلك؟!

في مايو ٢٥ مايو ٢٠٠٥م، اتهمت نقابةُ الصحافيين المصريين أعضاءَ قياديين في الحزب الوطني الحاكم آنداك؛ بالتحريض على هتْك العرض العلني لسيدات مصر وفتياتها، وذلك بعد الاستفتاء على تعديل المادة ٧٦ من الدستور. على هذا "المسرح السّياسيّ"؛ كانت البداية الفعليّة لظاهرة التّحرُّش الجماعيّ في مصر، ومنذ ذلك التّاريخ تحديداً؛ ضربت البلاد لعنة التحرّش، وأضحت كلّ المصريّات مثل نوال علي، وانتشرت بعدها تكتلات "البلطجيّة" في كلّ مكان. 
في حقبة الرئيس المخلوع مبارك؛ كان الأمن السّياسيّ مقدَّماً على حساب الأمن الجنائي. في مثل هذه البيئة "المحرِّضة"؛ وجدت ظاهرةُ التحرّش أجواءها المحفِّزة، واستفحلت على نطاقٍ واسع مع ارتفاع يد القانون عن ملاحقة الجناة، ولاسيما في المناسبات التي يحتشد فيها النّاس، كما حصل في أعياد الفطر بالعام ٢٠٠٦م عندما وقع الاعتداء الجماعي المنظَّم على كرامة المدنيّات والتحرُّش بهن. 

مثلها مثلُ أيّة ظاهرة قابلة للاستشراء والتمدُّد؛ فقد شهد التحرُّش في مصر تغيّرا من حيث النوع والكيفيّة. تؤكد نهاد أبو القمصان، مديرة المركز المصري لحقوق المرأة وقتها، أن وتيرةَ الشكاوى - منذ ذلك التوقيت - تزايدت بشكلٍ واضح وهي تنقل حجماً متزايداً من الألفاظِ النّابية التي تتعرّضُ لها السّيدات، إلى جانبِ جرائم هتْك العرض. الظاهرةُ هنا لا تقف عند حدّ أو نوع معين من النساء، فهي تشمل الفتيات والسيدات، السافرات والمحجبات بل والمنقبات أيضاً. كما أشارت أبو القمصان بأن نتائج الشكاوى تُظهِر أن أكبر فئة تتعرض للتحرش الجنسي في مصر هي النساء العاملات والطالبات في المدارس والجامعات. وهو ما يعطي ظاهرة التحرش شكلا من أشكال الاستهداف الذكوري الممنهج ضدّ المرأة الفاعلة في المجتمع، أو تلك التي تمثل قدرا من الاستقلال أو التحرّر من قبضة الرّجل أو "الذكر الاجتماعي". 

في الحقبة ذاتها، فقد لوحظ أن تراجع أجهزة الأمن عن الاضطلاع بدورها في مواجهة الظاهرة، وإلى حدّ التخاذل المتعمَّد؛ أوحى بأنّ هناك "أيادي خفيّة" وراء زعزعة وجود المرأة داخل المجتمع، وعبر الإحجام عن تطبيق قانون حمايتها، والاكتفاء بمشاهدتها وهي تتعرّض لعمليات النّهش والتحرّش. يُعزّز من هذا التحليل "التآمري" ما ترصده تقارير ميدانية بشأن الانسحاب الكامل لعناصر الأمن من أماكن تستلزم تواجدها لحماية المرأة من عمليات التحرش، ولاسيما في التجمعات العامة ووقت الاكتظاظ البشري أثناء المناسبات الشعبية و"الدّينية". إضافة إلى ذلك، فإن نشطاء وشهادات ضحايا أكدت تعرُّض النساء والفتيات في أقسام الشرطة للتحرُّش، وهي الجهة التي يُفترض بها حمايتهن وردع المعتدين عليهن. 
جزءٌ آخر من التأسيس لهذه الظاهرة يقع على عاتق الإعلام الرّسمي أو الشعبوي، والذي استقرّ - على مدى عقد ونصف - على تشويه المرأة، وتحميلها أسباب تعنيفها والتعرُّض للتحرش الجنسي، وهو تركيب ذهني سوّقه هذا الإعلام بمعية مواقف رجال الدين المؤدلجين الذين اعتادوا على تكريس ثقافة: "وجه المرأة كفرجِها"، "المرأة عبدة في بيت زوجها"، "المرأة تُقبِل في صورة شيطان، تُدبِر في صورة شيطان"، "النساء أكثر أهل النّار"، وغير ذلك. المؤكد أن تعليب المجتمع بهذه العقليّة جعله ينظر إلى المرأة، وهي تتحرّك في الشارع أو في الأماكن العامة؛ بنظراتٍ مليئة بالشك والانتقاص والاتهام المسْبَق وأحيانا بعدائيةٍ شديدة وكأنه في مواجهة "شيطان حقيقي" يمشي بين الناس. 

هناك تبادل في الدور العدائي قامت به كلٌّ من التيارات الإسلاموية والسلطة السياسية. فالأولى تهيمن على العقول وتصنع العقل الجمعي للناس، وقد سهّلت المهمّة على السلطة في تحقيق جملة من الأهداف، فالمسألة لا تتعلق بالتحرش الجنسي فحسب، وإنما هي تتصلّ أساساً بانهيار الحياة 

المصدر 
© Copyright 2015. All Rights Reserved.